تصلك رسالة من شخص لا تعرفه: (كم سعر الشعار؟). تفكر قليلاً، تحسب الساعات التي سيأخذها العمل، تضيف هامشاً صغيراً احتياطاً، وترسل الرقم. بعدها إما أن يختفي العميل، أو يرد بأن مصمماً آخر عرض عليه نصف المبلغ. مشهد يعرفه أغلب المصممين، والمشكلة فيه ليست في الرقم نفسه، بل في البدء فيه. تسعير الهوية يبدأ قبل الرقم بعدة خطوات، وهذا ما تعلمته بعد أكثر من ست سنوات في التصميم منذ أول هوية سعرتها.
السعر يتبع الخبرة ونوع العميل لا الساعات
أول هوية سعرتها كانت بأقل من 1,000 دولار. لا أذكر الرقم بالضبط، لكني أذكر كيف وصلت إليه: نظرت إلى ما يطلبه غيري في السوق، ونزلت عنه قليلاً لأنني كنت يومها في أول الطريق، ثم عدلت حسب ما طلبه العميل وما تتضمنه الهوية. منطق معقول لمصمم مبتدئ، لكنه قائم على فكرة خاطئة: أن السعر يساوي الجهد.
الساعات التي تقضيها على الشعار لا تهم العميل كثيراً. المصمم الذي عنده خبرة سنوات قد ينجز في يومين ما يأخذ من المبتدئ أسبوعين، ونتيجته أفضل غالباً. لو سعر الاثنان بالساعة لدفع العميل للمبتدئ أكثر، وهذا لا يستقيم. ما يدفع العميل ثمنه فعلاً هو خبرتك، والأخطاء التي تجنبه إياها.
والعامل الثاني نوع العميل. هوية لجهة حكومية أو مؤسسة إعلامية كبيرة ليست مثل هوية لمحل شاي صغير، والفرق بينهما شاسع. قد يسأل أحدكم: هل من المعقول أن أعطي سعرين مختلفين لعميلين؟ خذ مثلاً شعاراً لمقهى وشعاراً لشركة طيران. الاثنان شعار، لكن شعار المقهى سيظهر على كوب ولافتة وحساب إنستغرام، وشعار شركة الطيران سيظهر على الطائرات والتذاكر وزي الطاقم وتطبيق يفتحه ملايين المسافرين، ويحتاج موافقة مجلس إدارة قبل اعتماده. وإذا ظهر فيه خطأ بعد الإطلاق، فتصحيحه عند المقهى طلبية أكواب جديدة، وعند شركة الطيران تغيير كل شيء يحمل الشعار، بكلفة قد تبلغ أضعاف سعر الهوية نفسها. لذلك الجهة الكبيرة لا تدفع ثمن التصميم فقط، بل تدفع ثمن ألا يقع هذا الخطأ أصلاً.
تصميم الشعار خدمة واحدة، لكن حجم العمل والمسؤولية يختلف من عميل لآخر، والسعر يتبع هذا الحجم.
العميل يدفع مقابل الفهم قبل التصميم
حين أسعر اليوم، أنا لا أسعر الشعار. أسعر قدرتي على أن أفهم من العميل ما يريده فعلاً، وهذا غالباً ليس ما يكتبه في أول رسالة.
تبدأ العملية عندي بالبريف (Brief)، إما باستبيان يملؤه العميل أو باجتماع أو بالاثنين معاً. بعده بحث في المجال والمنافسين، ثم لوحة مزاج (Moodboard) أعرضها عليه قبل أن أصمم أي شيء، كي نتفق على الاتجاه قبل أن نصرف وقتاً على التفاصيل.
ثم أقدم توجهين أو ثلاثة. الأول هو ما طلبه العميل كما فهمته منه، منفذاً بدقة. والثاني اقتراحي أنا، مبني على ما عرفته عن العلامة من البحث، وعلى ما أراه مناسباً لها من شعار وألوان وأسلوب. العميل أحياناً يطلب شيئاً لا يخدمه، ولا ينتبه لذلك حتى يرى البديل أمامه.
وهذا الجزء تحديداً هو ما يبرر الفرق بين سعرك وسعر من ينفذ الطلب كما وصله. من ينفذ فقط يبيع وقته، ومن يقترح ويعترض حين يلزم يبيع خبرته، وهي ما يدفع العميل ثمنه.
الأعمال تصل قبل الرقم
أكبر خطأ أراه عند المصممين أن ترد على (كم السعر؟) برقم. في تلك اللحظة العميل لا يعرف عنك شيئاً، فيقارن رقمك بأرخص رقم وصله، والسؤال الوحيد في رأسه: هل يستحق هذا المصمم هذا المبلغ؟
لذلك لا أضع سعراً في أول رد، حتى لو سأل العميل عنه صراحة. أرسل له أعمالي السابقة أو ملف أعمالي، وأطلب اجتماعاً قصيراً أو بعض التفاصيل عن مشروعه. حين يرى العميل أعمالاً احترافية قبل الرقم، يتغير السؤال في رأسه من (هل يستحق هذا المصمم المبلغ؟) إلى (هل أريد أن أعمل مع هذا المصمم؟). والسؤال الثاني في صالحك إذا أعجبته الأعمال.
وفي هذا فائدة أخرى غير المقارنة. الأسئلة التي تطرحها قبل السعر تعطيك ما تحتاجه لتسعير دقيق، فلا يمكن أن تعرف حجم مشروع من رسالة من سطر واحد.
ثلاثة خيارات تبدأ بالأعلى
حين يحين وقت السعر، لا أرسل رقماً واحداً. الرقم الواحد يضع العميل أمام ثلاثة احتمالات: يقبل، أو يرفض، أو يفاوض. والاحتمالان الأخيران أكثر حدوثاً من الأول.
أما ثلاث باقات فتنقله إلى سؤال آخر: أي باقة تناسبني؟ هو الآن يختار بينها، ولم يعد يقرر هل يعمل معك أم لا.
والترتيب مهم. أبدأ بالباقة الأكبر، لأن أول رقم يراه العميل يصبح المقياس الذي يقيس عليه ما بعده (ويسمى هذا التثبيت، Anchoring). إن رأى الباقة الكاملة أولاً بدت الوسطى معقولة، وإن بدأ بالصغرى بدت كل باقة بعدها غالية.
أما العميل الذي يأتي بميزانية قليلة ويطلب هوية احترافية كاملة. غالباً يكون شركة ناشئة أو شخصاً يبدأ مشروعه. لا أنزل بسعري إلى ميزانيته. أقدم له أقل باقة عندي وأشرح له في ملف عرض السعر أو في رسالة، قيمة ما يطلبه ولماذا هذه أقل باقة ممكنة. في أغلب الحالات لا يعتمدها، وهذا مفهوم. هو غير مستعد أن يدفع أكثر مما معه لأسبابه، وأنا غير مستعد أن أعمل بأقل مما يستحقه العمل.
النطاق المكتوب يحمي السعر
أسوأ مشروع مر بي كان تصميم تغليف لعميل لم نحدد معه شيئاً بدقة. كان في ملف عرض السعر بعض البنود العامة، ولم نكتب عقداً، ولا حتى عقداً شكلياً. وفوق ذلك كان العميل لا يعرف ماذا يريد، فصار يجرب فينا. قدمنا أكثر من خمسة توجهات، وكان يعدل في كل واحد منها حتى أصغر التفاصيل، ويريد التصاميم بسرعة، وإذا تأخرنا غضب وسأل لماذا. السعر الذي اتفقنا عليه كان لمشروع محدد، والعمل الذي قدمناه لم يكن له حد.
لم يكن السعر هو المشكلة. المشكلة أنه لم يكن مربوطاً بشيء مكتوب. اليوم لا أبدأ مشروعاً قبل أن تكون هذه الأشياء على الورق:
- النطاق: ما يشمله المشروع بالتحديد، وما لا يشمله.
- عدد التوجهات وجولات التعديل، وما يحدث بعد آخر جولة، أي تعديل إضافي بسعر إضافي.
- جدول زمني يذكر ما على العميل أيضاً، لأن تأخر رده يؤخر التسليم.
- الدفعات: نصف المبلغ قبل البدء، والباقي قبل تسليم الملفات المفتوحة.
ولا يحتاج هذا إلى محام. صفحة واحدة يوافق عليها العميل كتابة أفضل من لا شيء، وتعطيك ما ترجع إليه حين يطلب التوجه السادس.


